محمد أبو زهرة
1789
زهرة التفاسير
ظهر النفاق فيها خوفا من قوة المؤمنين ، وأخذ ينفث سمومه في قوتهم ! وكلما عم سلطان الدولة الإسلامية واتسع ، ظهر منافقون ، فظهر في الأعراب نفاق كما قال تعالى : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 97 ) [ التوبة ] وظهر نفاق بين مشركي مكة ، فكان ناس إذا أرادوا تجارة ، وأرادوا أن يأمنوا غارات المؤمنين في الطريق عليهم ، أعلنوا أنهم يصدقون بما جاء به محمد ، وناقلوه بين الركب وبين الناس ، فكان المؤمنون يختلفون في شأنهم ، فمنهم من يراهم مؤمنين لا يقاتلون ولا يغار عليهم ، ومنهم من يراهم كفارا منافقين يريدون أن ينجوا بأموالهم ، فنزل قوله تعالى : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا إذا كان المنافقون على ما ترون ، من أنهم ينطقون باللسان خشية القوة ، وابتغاء الفتنة ، ولا يريدون إلا دفع الأذى عن أنفسهم ، وإنزاله بكم ، فما الذي يسوغ لكم أن تختلفوا في شأنهم فئتين أي طائفتين ، إحداهما ترجو الخير فيهم ، والثانية ترى الشر يستحكم في قلوبهم ، ويبدو في لحن أقوالهم ؟ وأنتم ترون أيها المختلفون ضلالهم ، ووقوعهم في الفساد ، وأنهم لا يبدو من أعمالهم ما يدل على إيمانهم ، بل هم يعملون بالكفر ، وينطقون بالإسلام . والإركاس معناه قلب الشئ على رأسه ، ورد مقدمه إلى مؤخره . جاء في مفردات الراغب الأصفهاني : « الركس قلب الشئ على رأسه ، ورد أوله إلى آخره ، يقال أركسته فركس وارتكس في أمره » . والمعنى على هذا أن الله سبحانه وتعالى أوقعهم في الضلال فقلب مداركهم ، ورد الأول على الآخر في تفكيرهم ، بحيث صاروا لا يستطيعون ترتيب المقدمات الفكرية ونتائجها ، وذلك بما كسبوا من الإيغال في الشر بعد ابتغائه وطلبه ، فلما ساروا فيه خطوة امتد بهم السير خطوات حتى أوغلوا فيه ، وأصبحوا لا يستطيعون الحكم في قول .